ابن كثير
152
البداية والنهاية
خذ عن الناس جانبا * كن بعدوك راهبا إن دهرا أظلني * قد أراني العجائبا قلب الناس كيف شئت * تجدهم عقاربا قال بشر فقلت لإبراهيم : هذه موعظة الراهب لك ، فعظني أنت . فأنشأ يقول : توحش من الاخوان لا تبغ مؤنسا * ولا تتخذ خلا ولا تبغ صاحبا وكن سامري الفعل من نسل آدم * وكن أوحديا ما قدرت مجانبا فقد فسد الاخوان والحب والاخا * فلست ترى إلا مذوقا وكاذبا فقلت ولولا أن يقال مدهده * وتنكر حالاتي لقد صرت راهبا قال سري : فقلت لبشر : هذه موعظة إبراهيم لك فعظني أنت ، فقال : عليك بالخمول ولزوم بيتك . فقلت بلغني عن الحسن أنه قال : لولا الليل وملاقاة الاخوان ما باليت متى مت . فأنشأ بشر يقول : يا من يسر برؤية الاخوان * مهلا أمنت مكايد الشيطان خلت القلوب من المعاد وذكره * وتشاغلوا بالحرص والخسران صارت مجالس من ترى وحديثهم * في هتك مستور وموت جنان قال الحلبي فقلت لسري : هذه موعظة بشر فعظني أنت . فقال : عليك بالاخمال فقلت أحب ذاك ، فأنشأ يقول : يا من يروم بزعمه إخمالا * إن كان حقا فاستعد خصالا ترك المجالس والتذاكر يا أخي * واجعل خروجك للصلاة خيال بل كن بها حيا كأنك ميت * لا يرتجى منه القريب وصالا قال علي بن محمد القصري : قلت للحلبي هذه موعظة سري لك فعظني أنت . فقال : يا أخي أحب الأعمال إلى الله ما صعد إليه من قلب زاهد في الدنيا ، فازهد في الدنيا يحبك الله . ثم أنشأ يقول : أنت في دار شتات * فتأهب لشتاتك واجعل الدنيا كيوم * صمته عن شهواتك واجعل الفطر إذا * ما صمته يوم وفاتك قال ابن خرزاد فقلت لعلي : هذه موعظة الحلبي لك فعطني أنت . فقال لي : احفظ وقتك